عند إبرام عقد دولي بين شركتين من دولتين مختلفتين، غالبًا ما يكون التحكيم أحد الخيارات المطروحة لتسوية النزاعات التي قد تنشأ بين الطرفين. لكن اختيار التحكيم وحده لا يكفي؛ فهناك تفاصيل أخرى داخل شرط التحكيم في العقود الدولية يمكن أن يكون لها تأثير كبير على سير النزاع ونتيجته.
ومن أهم هذه التفاصيل مقر التحكيم في العقود الدولية.
فالمقر ليس مجرد المدينة التي يجتمع فيها المحكمون أو تعقد فيها جلسات التحكيم، وإنما يرتبط بالإطار القانوني والإجرائي الذي يحكم عملية التحكيم، وقد تكون له آثار مهمة على مرحلة الطعن في الحكم وتنفيذه.
ما المقصود بمقر التحكيم؟
يجب التمييز بين مقر التحكيم وبين مكان عقد جلسات التحكيم.
فقد يتفق الطرفان على أن يكون مقر التحكيم في دولة معينة، بينما تعقد بعض الجلسات بصورة فعلية في دولة أخرى أو عن بُعد.
لذلك لا ينبغي اختيار المقر بناءً على سهولة السفر أو موقع الاجتماع فقط، بل يجب النظر إلى الآثار القانونية المترتبة عليه.
لماذا يؤثر مقر التحكيم في الإجراءات؟
اختيار المقر يرتبط بالنظام القانوني للتحكيم في الدولة التي يوجد فيها المقر، ولذلك يمكن أن يؤثر في بعض المسائل الإجرائية المهمة.
وعند صياغة عقود دولية، ينبغي دراسة العلاقة بين مقر التحكيم والقواعد التي ستطبق على إجراءات التحكيم، إلى جانب القواعد التي اختارها الطرفان أو المؤسسة التحكيمية، بحسب الحالة.
وهذا يجعل اختيار المقر قرارًا قانونيًا وليس مجرد قرار لوجستي.
مقر التحكيم ليس بالضرورة هو القانون الواجب التطبيق
من الأخطاء الشائعة افتراض أن اختيار دولة كمقر للتحكيم يعني تلقائيًا أن قوانينها الموضوعية ستطبق على العقد.
وهناك فرق بين:
- القانون الواجب التطبيق على موضوع العقد.
- القانون المرتبط بإجراءات التحكيم.
- قواعد التحكيم التي اتفق عليها الأطراف.
- مقر التحكيم.
ولهذا يجب أن تكون صياغة العقد واضحة بشأن كل عنصر، وألا يترك الطرفان هذه المسائل للتخمين أو التفسير عند نشوء النزاع.
كيف يؤثر المقر في الطعن على الحكم؟
من الجوانب المهمة عند اختيار مقر التحكيم تحديد الدولة التي ترتبط بها الإجراءات القانونية المتعلقة بالحكم التحكيمي.
ففي التحكيم الدولي، يمكن أن تكون هناك مسائل تتعلق بالطعن في الحكم أو طلب إبطاله أمام الجهات القضائية المختصة وفق الإطار القانوني المرتبط بمقر التحكيم.
ولهذا فإن اختيار مقر غير مناسب قد يؤدي إلى تعقيدات إجرائية لم تكن الإدارة تتوقعها عند توقيع العقد.
وماذا عن تنفيذ الحكم في دولة أخرى؟
هذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة للشركات التي تتعامل عبر الحدود.
فقد يصدر الحكم في دولة، بينما توجد أصول الطرف الخاسر أو نشاطه التجاري في دولة أخرى. وهنا تصبح قابلية الاعتراف بالحكم وتنفيذه من المسائل التي ينبغي التفكير فيها منذ صياغة شرط التحكيم وليس بعد صدور الحكم.
وتعد اتفاقية نيويورك لعام 1958 من أهم الأطر الدولية في هذا المجال؛ إذ تهدف إلى وضع معايير للاعتراف باتفاقات التحكيم والاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها في الدول الأطراف.
لذلك ينبغي للشركة أن تنظر إلى مكان وجود أصول الطرف الآخر والأسواق التي قد تحتاج إلى تنفيذ الحكم فيها عند تقييم خياراتها.
لا تختار المقر بناءً على اسم المدينة فقط
عند التفاوض على مقر التحكيم في العقود الدولية، من المفيد أن تدرس الإدارة القانونية عدة عوامل، منها:
- النظام القانوني للتحكيم في الدولة.
- مدى وضوح القواعد الإجرائية.
- موقف القضاء من اتفاقات التحكيم.
- الإطار القانوني المتعلق بالأحكام التحكيمية.
- سهولة تنفيذ الحكم في الدول التي توجد فيها أصول الطرف الآخر.
- المؤسسة التحكيمية المختارة وقواعدها.
هذه العناصر تساعد الشركة على اتخاذ قرار أكثر وعيًا بدل اختيار المقر باعتباره بندًا شكليًا.
مثال عملي على أهمية الاختيار
لنفترض أن شركة سعودية أبرمت عقدًا مع شركة أجنبية، واتفق الطرفان على التحكيم عند نشوء أي نزاع.
إذا تم تحديد مقر التحكيم دون دراسة كافية، فقد تكتشف الشركة عند وقوع النزاع أن بعض الإجراءات أو المسائل المرتبطة بالحكم تخضع لإطار قانوني لم يكن متوقعًا.
أما دراسة المقر منذ مرحلة التفاوض، فتسمح بتقييم الخيارات القانونية قبل الالتزام بها.
متى تحتاج الشركة إلى محامي تحكيم؟
تزداد أهمية الاستشارة المتخصصة عندما تكون قيمة العقد كبيرة، أو يكون الطرف الآخر في دولة مختلفة، أو تكون هناك أصول في أكثر من دولة، أو يتضمن العقد شروطًا متعددة تتعلق بالقانون الواجب التطبيق والتحكيم والاختصاص.
وتقدم الدوّان محامون ومستشارون خدمة تسوية المنازعات والتحكيم، وتشمل خدماتها الاستشارات المتعلقة بالتحكيم قبل توقيع العقود، وصياغة بنود التحكيم، والتمثيل في إجراءات التحكيم وتنفيذ الأحكام التحكيمية.
كما تقدم الدوّان خدمات العقود والاتفاقيات وصياغتها ومراجعتها بما يساعد الشركات على التعامل مع المخاطر القانونية منذ مرحلة التعاقد.
الخلاصة
إن مقر التحكيم في العقود الدولية ليس اختيارًا شكليًا يمكن تأجيل التفكير فيه إلى ما بعد نشوء النزاع. فهو قد يؤثر في الإطار الإجرائي للتحكيم، والمسائل المرتبطة بالحكم، واستراتيجية الشركة عند السعي إلى تنفيذه.
ولهذا يجب أن يتم اختيار مقر التحكيم بعد دراسة طبيعة الصفقة، وموقع الأطراف والأصول، والقانون الواجب التطبيق، والقواعد التحكيمية، وإمكانية تنفيذ الحكم في الدولة المستهدفة.
والأفضل أن تتم مراجعة شرط التحكيم قبل توقيع العقد، لأن تعديل هذا الشرط بعد نشوء النزاع قد يصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا.
يفضل توزيع الروابط داخل المقال بصورة طبيعية، وليس وضعها كلها في نهاية المقال:
هذه الخدمات ظاهرة ضمن الخدمات القانونية التي تعرضها الدوّان على موقعها.
لديك عقد دولي يتضمن شرط تحكيم؟
قبل التوقيع، اطلب مراجعة قانونية لبند التحكيم ومقره والقواعد المرتبطة به، للتأكد من أن صياغته تتناسب مع طبيعة الصفقة ومصالح شركتك.
اطلب تقييمًا مبدئيًا من الدوّان محامون ومستشارون. طلب تقييم مبدئي
الأسئلة الشائعة
هل مقر التحكيم هو المكان الذي تعقد فيه جلسات التحكيم؟
ليس بالضرورة؛ فالمقر مفهوم قانوني يختلف عن المكان الفعلي الذي قد تعقد فيه الجلسات.
هل اختيار مقر التحكيم يعني تطبيق قانون الدولة على العقد؟
ليس بالضرورة؛ يجب التمييز بين القانون الواجب التطبيق على العقد وبين الإطار القانوني المرتبط بإجراءات التحكيم.
لماذا يجب اختيار مقر التحكيم قبل توقيع العقد؟
لأن تغييره بعد نشوء النزاع قد يكون صعبًا، بينما يمكن للطرفين التفاوض عليه وتقييم آثاره أثناء صياغة العقد.
هل يؤثر مقر التحكيم في تنفيذ الحكم؟
قد تكون له أهمية في مسائل الاعتراف بالحكم والطعن أو الإبطال والإجراءات المرتبطة به، بينما يخضع التنفيذ في الدولة الأخرى لقواعدها والأطر الدولية ذات الصلة.
ما أهم خطأ عند صياغة شرط التحكيم الدولي؟
التعامل معه كبند نموذجي دون دراسة مقر التحكيم، والقواعد الإجرائية، والقانون الواجب التطبيق، وطبيعة الدول التي قد يلزم تنفيذ الحكم فيها.


لا تعليق